أقنعة الشاشات وغياب ملامح الوجه:هل تجهز تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على قدرتنا على التعاطف؟
هل تجهز تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على قدرتنا على التعاطف؟
لم يعد يُقاس التقدم البشري اليوم بمدى قدرتنا على قطع المسافات الجغرافية، بل بمعدل البيانات التي ننقلها عبر الفضاء الرقمي في الكسر من الثانية. لقد غدت الوسائط المتنقلة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات شريانًا رئيسيًا يغذي تفاصيل حياتنا اليومية، فبات الموبايل امتدادًا ليد الفرد، والشاشة نافذته الأولى على العالم. إلا أن هذا الاتصال الدائم والمفرط يطرح سؤالًا مقلقًا حول جوهر إنسانيتنا: هل يتداخل استخدامنا المتزايد للتقنية مع تجاربنا الاجتماعية وجهًا لوجه، وهل يؤدي ذلك بالضرورة إلى تآكل قدرتنا الطبيعية على التعاطف مع الآخرين؟
إن الملاحظة البسيطة لتجمعاتنا اليومية تظهر حجم التداخل الفعلي للتكنولوجيا مع التجربة الاجتماعية المباشرة. لم نعد نرى العائلات أو الأصدقاء يجلسون لتبادل أطراف الحديث بحواس كاملة، بل نجد ما يُعرف في علم الاجتماع الحديث بـ«الغياب المزدوج»؛ حيث يحضر الجسد في مكان ما بينما يستغرق العقل في عالم آخر خلف شاشة ملونة. هذه الظاهرة، التي يُطلق عليها أحيانًا اسم «التجاهل الهاتفي» (Phubbing)، خلقت فجوة جفاف في العلاقات البشرية المباشرة؛ إذ أصبحت الحوارات السطحية والنصية المختزلة بديلًا عن الجلسات الممتدة التي تُقرأ فيها الإيماءات، ونبرات الصوت، ونظرات العينين.
هذا التراجع في اللقاءات المباشرة يلقي بظلاله الثقيلة على مفهوم التعاطف الإنساني. إن التعاطف ليس مجرد فكرة عقلانية تُكتب في نص أو يُعبّر عنها بشرائح التعبير الأيقونية (Emojis)؛ بل هو عملية نفسية وبيولوجية معقدة تعتمد في أساسها على «الخلايا العصبية المرآتية» في الدماغ، والتي تنشط عندما نرى انفعالات الآخرين المباشرة كدماء الدموع، أو ارتعاش الشفاه، أو نبرة الحزن في الصوت. عندما يُحرم الفرد من التدريب اليومي المستمر على قراءة هذه المؤشرات غير اللفظية بفضل عزلة الشاشات، تضعف حواسه الاجتماعية وتتراجع قدرته على استشعار آلام الآخرين وفهم مشاعرهم بعمق.
من جانب آخر، تعزز البيئة الرقمية ما يمكن تسميته بـ«التعاطف السطحي» أو «الزائف». إن الضغط على زر «إعجاب» أو كتابة تعليق سريع لمواساة شخص ما يمنح الفرد شعورًا زائفًا بأنه مارس واجبه الإنساني، دون أن يتحمل عبء المشاركة الوجدانية الحقيقية أو الانخراط المباشر في دعم الآخر. هذا التواصل السريع والمريح يجعلنا نعتاد على المشاهد المؤلمة حتى يفقد العقل حساسيته تجاهها نتيجة التعرض المفرط والجامد عبر الشاشات.
على الجانب المقابل، لا يمكن إنكار أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات قد ساهمت في توسيع أفق التعاطف على مستوى عالمي؛ فقد مكنت الوسائط المتنقلة الأفراد من الاطلاع على أزمات ومعاناة شعوب تبعد آلاف الأميال، مما خلق تضامنًا إنسانيًا عابرًا للحدود لم يكن ممكنًا في الماضي. إلا أن هذا «التعاطف العالمي» يظل ناقصًا ومجردًا إذا خسر الفرد قدرته على التعاطف المباشر مع جاره أو صديقه أو أفراد أسرته في العالم الواقعي.
ختامًا، يمكن القول إن التكنولوجيا بحد ذاتها ليست أدوات شريرة، لكن الاستخدام المفرط وغير الواعي للوسائط المتنقلة يتداخل بلا شك مع تجاربنا الاجتماعية وجهًا لوجه، ويُضعف جودة التواصل الإنساني. إن ضرب مهارة التعاطف لا يعود إلى وجود الشاشة في أيدينا، بل إلى سماحنا لها بأن تصبح جدارًا يزلزل جسور التواصل المباشر. إننا بحاجة ماسة اليوم إلى إعادة ضبط علاقتنا بالتكنولوجيا، واستعادة التوازن بين العالم الافتراضي والعالم الواقعي، فلن تبني الشاشات مجتمعًا متماسكًا ما لم نعد نصغي لنبرات الأصوات ونمعن النظر في عيون بعضنا البعض.
هل سينتهي بنا المطاف مجرد كائنات رقمية تتواصل بالرموز وتفتقد الحرارة الإنسانية، أم أننا سنستعيد زمام المبادرة لنجعل الشاشة خادمة لتواصلنا المباشر لا بديلًا عنه؟
