تجربة فيشي التاريخية ودروسها للبنان في ظل الخلاف حول إحالة ملف المتفجرات
مقال يقارن بين تجربة حكومة فيشي في فرنسا ومحطات سياسية لبنانية، ويدعو إلى تسوية الخلاف حول إحالة ملف المتفجرات إلى المجلس العدلي
4️⃣
قبل العتبة
السلطة في لبنان لم تعبر العتبة بعد، لكنّ التاريخ يعلم كيف عومل من عبرها. ففيشي لم تولد فيشيّة. بدأت بهدنةٍ في 22 حزيران 1940 باسم حقن الدماء. ثمّ جاء تصويتٌ برلمانيّ في 10 تموز منح بيتان السلطات الكاملة بـ569 صوتاً مقابل 80. ثمّ كان لقاء مونتوار، حين قال بيتان إنّه يدخل «طريق التعاون» حفاظاً على «الوحدة الفرنسية». كلّ خطوةٍ قُدّمت يومها على أنها واقعية، وكلّ خطوةٍ قرّبتها من اللحظة التي صارت فيها أجهزة الدولة في خدمة المحتلّ ضدّ من يقاومه. ولم تشفع لها قانونية نشأتها، فقد سمّاها القانون الفرنسيّ بعد التحرير «سلطة أمر واقع».
وحين جاءت ساعة الحساب، عاملها المقاومون بنصوص القانون. قرّر أمر 9 آب 1944 أنّ الجمهورية «لم تنقطع عن الوجود» في القانون، وأبطل أعمال فيشي، وخصّ بالبطلان صراحةً الأعمال التي «أنشأت محاكم استثنائية». ثمّ مثل بيتان أمام محكمةٍ أنشأها القانون بتهمتين: المساس بأمن الدولة، والتخابر مع العدوّ. ذهبت تهمة أمن الدولة إلى من تعاون، لا إلى من قاوم.
وفي إيطاليا عدّ مرسوم 12 نيسان 1945 ما قام به المقاومون ضدّ الألمان والفاشيين «أعمالاً حربية» لا يُعاقب عليها. فشمل بحمايته من قاتل السلطة المحلية المتعاونة، لا المحتلّ وحده. وجاء ذلك كلّه بعد التحرير؛ فقد سقطت فيشي حين انكسر المحتلّ الذي يحميها، لا باقتتال الفرنسيين.
ولبنان جرّب الطريق الآخر ويعرف خواتيمه. في عام 1958 رفض فؤاد شهاب زجّ الجيش في القمع، فبقي الجيش وبقي البلد. وفي عامي 1976 و1984 انقسم الجيش حين أُقحم في الداخل. وفي عام 2008 انتهى الدم إلى الدوحة. لم ينتصر أحد، وانتهى الجميع إلى تسويةٍ كانت مُتاحةً قبل الدم.
ليس المطلوب من الحكومة اليوم شجاعة، بل تعقّل. ففي هذا القصر نفسه، قبل سبع سنوات، أُطفئت أزمة إحالةٍ إلى المجلس العدليّ بمصالحةٍ جمعت الخصوم، والبند الذي وُضع على الجدول يمكن أن يُرفع عنه. اشترط توما الأكويني ألّا يكون علاج الطغيان أشدّ ضرراً منه، والشرط نفسه يسري على «علاج» السلطة. فلتكن التسوية قبل الدم، وليكن التعقّل قبل العتبة؛ فالعدوّ وحده ينتظر الجواب الآخر.
أخبار ذات صلة
حق مقاومة الاحتلال في الدستور اللبناني والقانون الدولي: قراءة قانونية
مقال يناقش الأسس الدستورية والقانونية لحق مقاومة الاحتلال وانعكاسات القرارات الحكومية على هذا الحق في لبنان
إحالة ملف المتفجرات إلى المجلس العدلي: الأبعاد القانونية وتداعيات القرار
قراءة قانونية في صلاحيات المجلس العدلي وانعكاسات إحالة ملف المتفجرات على المقاومة
قبل قرار إحالة ملف المتفجرات إلى المجلس العدلي.. هل تدخل السلطة اللبنانية في مواجهة مع المقاومة؟
مجتبى الحسيني: إحالة ملف المتفجرات إلى المجلس العدلي تثير مخاوف من توسيع الملاحقات السياسية والأمنية
ضهر البيدر والمجلس العدلي: سلهب يحذّر من فتنة داخلية
أكرم سلهب يدعو الحكومة إلى حماية السلم الأهلي ومعالجة ملف السلاح بالحوار
