ضهر البيدر والمجلس العدلي: سلهب يحذّر من فتنة داخلية
أكرم سلهب يدعو الحكومة إلى حماية السلم الأهلي ومعالجة ملف السلاح بالحوار
ضهر البيدر والمجلس العدلي: هل تدفع السلطة لبنان نحو فتنة داخلية؟
بقلم / اكرم محمد سلهب
تحذير إلى السلطة والحكومة قبل فوات الأوان
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأوطان ليس فقط الاعتداءات الخارجية، بل أيضاً القرارات السياسية التي قد تؤدي، إذا أُسيء التعامل معها، إلى شرخ داخلي يصعب ترميمه.
اليوم، ومع تكرار وزير العدل إحالة قضية شاحنة المتفجرات التي ضُبطت في ضهر البيدر، وما يرتبط بها من سلاح لحزب الله، إلى المرجع القضائي المختص، تبرز أسئلة مصيرية تتجاوز حدود الملف القضائي نفسه: هل تدرك السلطة والحكومة حساسية المرحلة التي يمر بها لبنان؟ وهل تضعان في حساباتهما النتائج السياسية والاجتماعية لأي قرار قد يُفهم لدى شريحة واسعة من اللبنانيين على أنه استهداف لها، لا مجرد تطبيق للقانون؟
أولاً: لا نرفض القضاء، لكننا نرفض الانتقائية والتسييس
نحن لا ندافع عن الفوضى، ولا نطالب بإعفاء أي جهة من المساءلة القانونية، ولا نرفض أن يأخذ القضاء مجراه. بل نطالب بقضاء مستقل، وعدالة متساوية، وإجراءات قانونية واضحة، بعيداً عن الضغوط السياسية والإملاءات الخارجية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تُطبَّق القوانين على الجميع بالمعيار نفسه؟ وهل تتحرك الدولة بالجدية ذاتها أمام الاعتداءات الإسرائيلية، واحتلال الأراضي، وتدمير المنازل والقرى، وتهجير المواطنين، أم أن الحزم يظهر بصورة أكبر عندما يتعلق الأمر بملف سلاح المقاومة؟
إن العدالة الحقيقية لا تتجزأ، وسيادة القانون لا تكون انتقائية، وهيبة الدولة لا تُبنى باستهداف طرف وإغفال مسؤولياتها تجاه طرف آخر.
ثانياً: بيئة مجروحة لا يجوز دفعها إلى مزيد من الشعور بالاستهداف
علينا أن نتذكر أن شريحة واسعة من أبناء الطائفة الشيعية، كما سائر اللبنانيين الذين دفعوا أثمان الحروب والاعتداءات، تعيش جراحاً عميقة بعد تدمير المنازل والقرى وتهجير العائلات وضياع الأرزاق.
وهذه البيئة تحمل ذاكرة طويلة من المواجهة مع الاعتداءات الإسرائيلية، وترى أن المقاومة كانت جزءاً من تاريخ الدفاع عن لبنان، منذ سنوات طويلة سبقت قيام حزب الله بصورته المعروفة اليوم.
فقد شارك أبناء هذه البيئة في مسيرة مقاومة الاحتلال، وكانت رايات المقاومة حاضرة في مراحل مختلفة من تاريخ لبنان، وصولاً إلى تحرير معظم الأراضي اللبنانية المحتلة عام 2000، ثم مواجهة العدوان الإسرائيلي عام 2006.
وهنا لا بد من التذكير بأن هذه المحطات التاريخية لا تُسقط حق الدولة في معالجة ملف السلاح، كما أن الخلاف على السلاح لا يبرر تجاهل التضحيات أو التعامل مع جمهور المقاومة وكأنه متهم جماعياً.
إن أبناء الطائفة الشيعية ليسوا كتلة متهمة، ولا يجوز اختزالهم بحزب أو قرار سياسي، كما لا يجوز تحميلهم جماعياً مسؤولية أي فعل فردي أو حزبي.
فهم مواطنون لبنانيون لهم حقوقهم وكرامتهم ومخاوفهم، كما عليهم واجباتهم تجاه الدولة والقانون.
ثالثاً: من يتحمل مسؤولية الفراغ الذي أوصلنا إلى هنا؟
قبل أن ترفع السلطة شعار نزع السلاح، عليها أن تجيب عن أسئلة لا يجوز الهروب منها:
أين كانت الدولة عندما احتلت إسرائيل أرضاً لبنانية؟ وأين كانت حكوماتها المتعاقبة عندما تعرض الجنوب للاعتداءات، وعندما دُمّرت القرى وهُجّر أهلها؟ وماذا قدمت للمواطنين الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى الاعتماد على قدراتهم وإمكاناتهم في ظل غياب الحماية الكافية؟
وهل يجوز أن تطالب الدولة اليوم المواطنين بالتخلي عن مصادر الحماية التي يؤمنون بها، قبل أن تقدم لهم ضمانات فعلية بأن الجيش والمؤسسات الرسمية قادرون على حماية الأرض والناس وردع الاعتداءات؟
إن بناء الدولة لا يبدأ بفرض القرارات من جانب واحد، بل باستعادة ثقة المواطنين بها، وتأمين الحماية لهم، وإثبات أن سيادتها ليست شعاراً يُرفع في وجه الداخل، بينما يستمر الاعتداء على الحدود والقرى والمنازل.
رابعاً: أخطر ما في الأمر أن يتحول الخلاف السياسي إلى شعور بالاستهداف الطائفي
إن التعامل مع ملف سلاح حزب الله، أو مع قضية شاحنة ضهر البيدر، بطريقة تؤدي إلى تعميم الاتهام على جمهور واسع، أو إلى تصوير طائفة كاملة وكأنها في مواجهة مع الدولة، سيكون خطأً خطيراً تتحمل السلطة مسؤولية نتائجه إذا لم تتداركه.
كما أن وصف حزب الله بالإرهاب في الخطاب السياسي أو الخارجي، أو اتخاذ قرارات بشأن سلاحه، لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للتعامل مع المواطنين الشيعة باعتبارهم موضع شبهة جماعية.
وفي المقابل، فإن حماية السلم الأهلي لا تعني تعطيل القضاء أو منح أي حزب حصانة من القانون؛ بل تعني أن تُعالَج الملفات وفق الأدلة والأصول القضائية، وأن يُمنع التحريض، وأن تُصان حقوق جميع اللبنانيين دون تمييز.
إننا لا نريد فتنة سنية شيعية، ولا مواجهة بين المقاومة والدولة، ولا صداماً بين الجيش وأبناء شعبه. نريد دولة تحمي الجميع، وقضاءً يحاسب وفق القانون، ومؤسسات لا تسمح لأحد باستغلال الانقسام الداخلي لمصلحة إسرائيل أو أي جهة خارجية.
خامساً: إلى الحكومة والسلطة، هذا تحذير وطني صريح
لا تتعاملوا مع هذه الملفات وكأنها مجرد إجراءات إدارية أو قرارات قضائية منفصلة عن الواقع اللبناني. فالبلد يعيش انقساماً عميقاً، والناس مثقلة بالخسائر، والبيوت المدمرة لم تُعَد جميعها إلى أصحابها، والنازحون ما زالوا ينتظرون الأمان والعودة والتعويض.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح واجب الحكومة مضاعفاً: أن تمنع الظلم، وأن تحمي السلم الأهلي، وأن تبتعد عن كل خطاب أو إجراء قد يُفسَّر بأنه استهداف جماعي أو تنفيذ لإملاءات خارجية.
وإذا كانت الحكومة تريد حصر السلاح بيد الدولة، فعليها أن تقدم للبنانيين خطة وطنية متكاملة تقوم على حماية الحدود، وتعزيز قدرات الجيش، وإلزام إسرائيل بوقف الاعتداءات والانسحاب من الأراضي المحتلة، وتأمين عودة النازحين وإعادة الإعمار، وفتح حوار جدي مع المعنيين حول مستقبل السلاح ضمن استراتيجية دفاعية وطنية واضحة.
أما المطالبة بنزع السلاح من دون ضمانات أمنية فعلية، ومن دون معالجة أسباب انعدام الثقة بالدولة، ومن دون موقف حازم من الاعتداءات الإسرائيلية، فقد تزيد الانقسام بدلاً من أن تبني السيادة.
الخاتمة: احذروا اللعب بالنار
يا أهل السلطة والحكومة، إن مسؤوليتكم ليست اختبار قوة الدولة على حساب فئة من شعبها، بل إثبات أن الدولة قادرة على حماية الجميع، وأن القانون يسري على الجميع، وأن كرامة المواطن لا تخضع لموازين القوى السياسية.
نحذّر من أن تؤدي القرارات المتسرعة أو الانتقائية، أو الخطابات التي تغذي الشكوك والعداء، إلى تحويل الملفات القضائية والسياسية إلى شرارة فتنة داخلية. فلبنان لا يحتمل حرباً جديدة، ولا يجوز أن يُدفع أبناؤه إلى مواجهة بعضهم بعضاً فيما يستفيد العدو الإسرائيلي من انقسامهم.
نريد دولة قوية لا دولة انتقام، وقضاءً عادلاً لا قضاءً مسيّساً، وسيادةً تحمي الحدود لا شعارات تُرفع في الداخل، وحواراً وطنياً لا قرارات تفرض على اللبنانيين بمنطق الغلبة.
فليكن واضحاً للجميع: الدفاع عن السلم الأهلي ليس دفاعاً عن حزب ضد حزب، ولا عن طائفة ضد طائفة؛ بل هو دفاع عن لبنان كله.
ومن واجبنا أن نحذّر قبل وقوع الكارثة، لا أن نبكي على الوطن بعد فوات الأوان.
اللهم احفظ لبنان وشعبه، واحمِ وحدته من الفتنة، واجعل العدل أساس الدولة، وكرامة الإنسان وحرية الوطن فوق كل اعتبار.
أخبار ذات صلة
عبدالله قمح يكشف تفاصيل توقيف أميركيَين في الضاحية الجنوبية
نظارات ذكية وخاتم تسجيل يثيران الشبهات حول أميركيَين في بئر العبد
وثيقة ترامب السرية: معركة سـ..ـلاح حـ.ـزب الله تبدأ من الدولة وتنتهي عند "إســـ.ـرائـ.ـيـل"
وثيقة ترامب السرية: 40 مليار دولار لإعادة بناء لبنان ومواجهة نفوذ حزب الله
ما حقيقة حادثة الطائرة الإماراتية
هل سيستثمر نتنياهو حادثة الطائرة؟
قالوا إن إيران انتهت… فلماذا يستعدّون للحرب من جديد؟
لماذا يستعدون للحرب من جديد؟
