وثيقة ترامب السرية: معركة سـ..ـلاح حـ.ـزب الله تبدأ من الدولة وتنتهي عند "إســـ.ـرائـ.ـيـل"
وثيقة ترامب السرية: 40 مليار دولار لإعادة بناء لبنان ومواجهة نفوذ حزب الله
إذا صحت الوثيقة السرية التي نُسبت إلى دوائر في الإدارة الأميركية ووصلت إلى الرئيس دونالد ترامب، فإن ما يجري التحضير له في لبنان يتجاوز بكثير مسألة نزع سـ..ـلاح حـ.ـزب الله بالمعنى العسـ.ـكري المباشر. فالوثيقة، بحسب ما نُشر عنها، تقترح مشروعًا واسعًا لإعادة بناء الدولة اللبنانية اقتصاديًا وأمنيًا ومؤسساتيًا، بالتوازي مع الضغط على مصادر تمويل حـ.ـزب الله وبنيته العسـ.ـكرية والأمنية والاجتماعية.
الوثيقة المتداولة التي لم تحصل حتى الآن على تأكيد رسمي أميركي يثبت أنها سياسة معتمدة من البيت الأبيض، فالتعامل معها يجب أن يبقى في إطار تحليل مضمون ورقة منسوبة إلى دوائر القرار الأميركية، لا باعتبارها قرارًا نهائيًا للرئيس ترامب. لكن حتى بهذه الصفة، فإنها تستحق التوقف عندها، لأنها تكشف عن مقاربة مختلفة في التعامل مع حـ.ـزب الله.
لم يعد السـ..ـلاح وحده هو الهـ.ـدف
القراءة الأولى للوثيقة توحي بأن واشنطن أدركت أن نزع سـ..ـلاح حـ.ـزب الله بقرار سياسي أو بضغط عسـ.ـكري مباشر ليس مهمة سهلة لا بل أصبحت مستحيلة. فالحـ.ـزب ليس مجرد تشكيل عسـ.ـكري يمتلك صـ.ـو اريخ وسـ..ـلاحًا ومقـ.ـاتلين. وخلال عقود، نشأت حوله منظومة واسعة من المؤسسات والخدمات والتمويل والعلاقات الاجتماعية والسياسية، وأصبح جزءًا من تركيبة لبنانية وإقليمية معقدة. ولهذا فإن ضرب الجناح العسـ.ـكري وحده لا يعني إنهاء الظاهرة. ومن هنا تأتي الفكرة الأساسية في الوثيقة: تغيير البيئة التي تسمح للحـ.ـزب بالحفاظ على هذه الوظائف، أي بناء دولة متماهية مع المشاريع الأميركية في المنطقة تستطيع أن تنافس الحـ.ـزب في الوظائف التي أصبح يؤديها، وتستعيد تدريجيًا الدور الذي فقدته خلال عقود من الأزمات والانقسامات والحروب.
المال هنا ليس مجرد إعمار
الحديث عن نحو ٤٠ مليار دولار لإعادة بناء لبنان هو أكثر من رقم مالي. فالوثيقة، وفق ما نُشر عنها، تربط الأموال بإعادة الإعمار، ودعم الجيش، وإعادة أموال المودعين، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتنمية المناطق المتضررة، وتحسين الخدمات. لكن الأهم هو أن هذه الأموال تبدو جزءًا من مشروع سياسي متكامل. فإذا دخلت مليارات الدولارات إلى الجنوب والبقاع والضاحية ومناطق أخرى، وأعيد بناء المنازل والبنى التحتية، وتأمنت الخدمات وفرص العمل، وأصبح المواطن قادرًا على الحصول على حقوقه من الدولة، فإن إحدى أهم الوظائف التي بنت عليها القوى السياسية نفوذها تبدأ بالانحسار.
وهنا يصبح السؤال: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تصبح هي المرجعية الأولى للمواطن؟ هذا هو جوهر المعركة.
محاولة فصل المجتمع عن السـ..ـلاح
ربما يكون أخطر ما في الوثيقة هو هذا البعد تحديدًا. فالخطة لا تبدو موجهة إلى حـ.ـزب الله فقط، وإنما إلى البيئة الاجتماعية التي يعتمد عليها. لكن الفكرة، إذا صحت، ليست بالضرورة مـ..ـواجهة هذه البيئة، بل تقديم بديل لها. دولة تعيد الإعمار، دولة تؤمن الخدمات، دولة تحمي المواطن، دولة تؤمن فرص العمل، دولة تعيد أموال المودعين، ودولة قادرة على حماية الحدود. عندها يصبح السؤال حول استمرار السـ..ـلاح خارج الدولة مختلفًا. لكن هذه المقاربة تواجه مشكلة أساسية: البيئة التي تحتضن حـ.ـزب الله لا تنظر إلى السـ..ـلاح باعتباره مجرد مؤسسة خدماتية يمكن استبدالها بالمال. هناك عامل عقائدي وأمني وسيادي وسياسي متراكم. وهذا يقودنا إلى العقدة التي لا تستطيع الوثيقة تجاوزها بسهولة.
"إســـ.ـرائـ.ـيـل" هي السؤال الذي لا يمكن القفز فوقه
إذا أرادت واشنطن إقناع اللبنانيين بأن الدولة قادرة على احتكار السـ..ـلاح، فعليها أن تجيب أولًا عن سؤال بسيط: هل تستطيع الدولة حماية لبنان؟ وهذا السؤال لا يجيب عنه حجم المساعدات ولا عدد الجنود ولا قيمة الاستثمارات. الإجابة تبدأ من الجنوب. إذا بقيت "إســـ.ـرائـ.ـيـل" تحتـ ـل مواقع أو أراضي لبنانية، وإذا استمرت الضربات والتوغلات والانتـ..ـهاكات، فإن الدعوة إلى حصر السـ..ـلاح بيد الدولة ستصطدم دائمًا بالسؤال المقابل: ماذا ستفعل الدولة عندما تتعرض أراضيها للاعتـ.ـداء؟ وهنا تكمن المفارقة الأساسية في المشروع. فواشنطن تريد بناء دولة لبنانية قوية تستطيع أن تحل محل الوظيفة الأمنية التي يؤديها حـ.ـزب الله، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى معالجة البيئة الأمنية التي جعلت هذه الوظيفة ضرورية ومقبولة.
لا يمكن تجاهل هذه الحقيقة. الجيش هو الحلقة المركزية، ومن هنا تأتي أهميته في الوثيقة. فالجيش ليس مجرد مؤسسة يراد استخدامها لتنفيذ قرار نزع السـ..ـلاح، بل هو، في التصور المطروح، العمود الفقري للدولة التي يفترض أن تحل محل المنظومة الأمنية القائمة. لكن الجيش يحتاج إلى أكثر من الدعم المالي. يحتاج إلى قدرة حقيقية على الانتشار والردع والتسـ.ـليـح و حماية الحدود، وإلى قرار سياسي واضح، وإلى اعتراف إقليمي ودولي بأن الدولة اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخولة حماية الأراضي اللبنانية. وإذا لم تتوافر هذه العناصر، فإن مطالبة أي قوة لبنانية بالتخلي عن سـ..ـلاحها ستبقى ناقصة من الناحية العــ..ــمـلـيـة.
هل الـ٤٠ مليار دولار تكفي؟
الأموال تستطيع أن تبني الجسور والمستشفيات والمدارس والمنازل، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني الثقة. الثقة تُبنى عندما يشعر المواطن بأن الدولة تحميه في الحـ.ـرب كما تحميه في السلم. وإذا تحولت أموال الإعمار إلى وسيلة جديدة للمحاصصة والفساد، فإن الخطة ستفقد أهم عنــ.ـصر فيها. أما إذا استخدمت بصورة شفافة وعادلة، فإنها قد تحدث تحولًا اقتصاديًا واجتماعيًا كبيرًا في لبنان. وهنا تظهر نقطة أخرى شديدة الحساسية: إذا كانت الأموال ستأتي من دول عربية وغربية ومؤسسات دولية، فمن سيتولى إدارتها؟ ومن يحدد الأولويات؟ ومن يراقب الإنفاق؟ والإجابة عن هذه الأسئلة تحدد ما إذا كان المشروع إعادة إعمار للبنان أو إعادة هندسة سياسية له.
من يريد تغيير لبنان؟
إذا كانت الوثيقة صحيحة، فإن الولايات المتحدة لا تريد فقط أن يتخلى حـ.ـزب الله عن سـ..ـلاحه. هي تريد إعادة توزيع وظائف القوة داخل لبنان. وهذا يعني أن الدولة يجب أن تستعيد: الأمن من السـ..ـلاح، والخدمات من المؤسسات الحـ.ـزبية، والمال من شبكات التمويل، والقرار السياسي من القوى الموازية للدولة. وبذلك تصبح معركة السـ..ـلاح جزءًا من معركة أكبر عنوانها: من يملك الدولة اللبنانية؟ وهذه النقطة تفسر لماذا تتحدث الوثيقة، بحسب ما نُشر، عن التمويل والجيش والحدود والإعمار والمؤسسات إلى جانب السـ..ـلاح. فالمشروع ليس عسـ.ـكريًا. إنه مشروع لإعادة بناء ميزان القوة داخل لبنان.
ولكن هناك خطأ يمكن أن ينسف الخطة كلها: إذا افترض واضعو الوثيقة أن المشكلة اللبنانية يمكن اختزالها في حـ.ـزب الله وحده، فإنهم قد يكتشفون أن المعادلة أكثر تعقيدًا. فالسـ..ـلاح لم ينشأ في لبنان من فراغ. لقد نشأ في سياق الاحتـ ـلال "الإســـ.ـرائـ.ـيـلي" والاعتـ.ـداءات والحـ.ـرب الأهلية والانقسامات الداخلية والعجز الرسمي. وبالتالي فإن إنهاء السـ..ـلاح يتطلب إنهاء الظروف التي تسمح له بإعادة إنتاج نفسه. وهذا يعني أن أي خطة أميركية جادة يجب أن تكون متوازنة: لا يكفي أن تطلب من حـ.ـزب الله تسليم سـ..ـلاحه، بل يجب أن تقدم للبنان ضمانات أمنية وسياسية وسيادية حقيقية. والضمانة الأولى هي إنهاء الاحتـ ـلال والاعتـ.ـداءات.
المعركة المقبلة قد تكون سياسية أكثر منها عسـ.ـكرية
إذا صحت الوثيقة، فإن واشنطن تبدو وكأنها انتقلت من مرحلة الضغط المباشر إلى مرحلة أكثر تركيبًا: إضعاف القدرة العسـ.ـكرية والمالية للحـ.ـزب، وتقوية الدولة، وتمويل إعادة الإعمار، واستعادة ثقة المواطن بالدولة، ثم الوصول إلى مرحلة يصبح فيها السـ..ـلاح خارج مؤسسات الدولة غير قابل للاستمرار سياسيًا.
هذه ليست عــ..ــمـلـيـة قصيرة، وقد لا تكون حتى قابلة للتحقق بالصيغة التي يتصورها واضعوها، لأن حـ.ـزب الله لن ينظر إلى المسألة باعتبارها مجرد مشروع اقتصادي، بل باعتبارها إعادة تعريف لدوره ومستقبله وموقعه في المعادلة اللبنانية. كما أن إيران لن تنظر إلى الملف من زاوية لبنانية بحتة. و"إســـ.ـرائـ.ـيـل" لن تكون عاملًا هامشيًا في المعادلة. ولهذا فإن الملف اللبناني سيبقى مرتبطًا، بدرجات مختلفة، بالملفات الإقليمية الكبرى.
السؤال ليس فقط ماذا سيفعل حـ.ـزب الله؟ السؤال الحقيقي الذي تضعه الوثيقة أمام لبنان هو: ماذا تستطيع الدولة اللبنانية أن تقدم؟
فإذا تمكنت الدولة من إعادة إعمار المناطق المتضررة، واستعادة أموال المودعين، وتأمين الخدمات، وبناء اقتصاد منتج، وتعزيز الجيش، وحماية الحدود، وفرض سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، فإن ميزان العلاقة بين المواطن والدولة والقوى السياسية سيتغير بصورة طبيعية.
أما إذا بقيت الدولة عاجزة، وبقي الجنوب عرضة للاعتـ.ـداء، وبقي الاحتـ ـلال قائمًا، وبقي الجيش محدود القدرة، فإن أي خطة لنزع السـ..ـلاح ستصطدم بالواقع نفسه الذي جعل السـ..ـلاح جزءًا من المعادلة اللبنانية.
ولهذا فإن المفارقة الكبرى في الوثيقة الأميركية أن طريق نزع سـ..ـلاح حـ.ـزب الله لا يمر بالسـ..ـلاح وحده، بل يمر أولًا عبر بناء دولة قادرة على حماية لبنان. والأهم من ذلك أن هذه الدولة لن تستطيع إقناع اللبنانيين بأنها قادرة على حمايتهم إذا بقيت "إســـ.ـرائـ.ـيـل" قادرة على احتـ ـلال أرضهم أو ضربها متى شاءت.
من هنا، فإن المشروع إذا كان فعلًا مطروحًا على طاولة ترامب، أمامه معادلة واضحة: إما أن تكون الدولة اللبنانية قوية بما يكفي لتحتكر السـ..ـلاح وتحمي الأرض، وإما أن يبقى السؤال الذي رافق لبنان لعقود قائمًا: من يحمي لبنان عندما تعجز الدولة عن حمايته؟ وهذا السؤال، أكثر من مبلغ الأربعين مليار دولار، هو الذي سيحدد مصير أي خطة أميركية للبنان.
أخبار ذات صلة
ما حقيقة حادثة الطائرة الإماراتية
هل سيستثمر نتنياهو حادثة الطائرة؟
قالوا إن إيران انتهت… فلماذا يستعدّون للحرب من جديد؟
لماذا يستعدون للحرب من جديد؟
ما هو مصير العملاء بعد قرار العفو العام؟
ملف العملاء في لبنان على الطاولة مجددًا: مطالبات من جهات رسمية وروحية بالعفو عن عناصر جيش لحد البائد وإعادتهم إلى لبنان
13 أيلول 1993: عندما حال السيد حسن نصرالله دون وقوع الفتنة بين الجيش والمقاومة
" الشعب الحر الباسل ما ألِف الضيم واليأس ويقول... لن يسلَم فينا القاتل من باع الأمة لن ننسى أيلول"
