المسلسل المصري الذي شاهده الإسرائيليون
رأفت الهجان، المسلسل المصري الذي عرض لأول مرة عام 1988..
لطالما كان الفن أداة فعالة تستخدم للتعبير عن أمر ما أو إيصال رسالة محددة، وهذا ما برع فيه المصريون خصوصاً خلال النصف الثاني من العقد المنصرم. فالتلفزيون المصري يزخر بالأعمال الاجتماعية التي لازالت عالقة في ذاكرة المشاهد العربي حتى اليوم، على شاكلة لن أعيش في جلباب أبي ،والشهد والدموع، والمال والبنون، وليالي الحلمية وغيرها. لكن ثمة مسلسل مصري عبر حدود العالم العربي، وفرض نفسه على الساحة العالمية بسبب النجاح الكاسح الذي حققه والفكرة التي كانت الأولى من نوعها، حتى وصل إلى المستوطنين الاسرائيليين في فلسطين المحتلة، وأصبح الشغل الشاغل لوسائل الإعلام والصحافة العبرية.
رأفت الهجان، المسلسل المصري الذي عرض لأول مرة عام 1988، وكان من بطولة محمود عبد العزيز ويوسف شعبان ويسرا ومحمد وفيق، إخراج يحيى العلمي وكتابة صالح مرسي. تناول هذا المسلسل قصة العميل مصري رفعت الجمال(اشير اليه في المسلسل باسم رأفت الهجان) الذي زرعته المخابرات المصرية في المجتمع الإسرائيلي بعد نجاح ثورة الضباط الأحرار، ويشرح كيف نجح هذا الشخص في الانخراط داخل المجتمع الإسرائيلي، ونسج علاقات مع شخصيات سياسية إسرائيلية رفيعة المستوى.
رفعت الجمال عاش في فلسطين المحتلة باسم جاك بيتون كمواطن إسرائيلي، وتوفي عام 1982 في برلين بعد صراع مع مرض السرطان، والمثير للجدل هو أن الإسرائيليين لم يدركوا حقيقة هذا الإنسان إلا بعد عرض المسلسل عام 1988، أي بعد وفاة الجمال بست سنوات.
تسبب المسلسل بصدمة غير مسبوقة في المجتمع الإسرائيلي، بعد أن تمكن جهاز المخابرات المصرية من اختراق واحد من أعقد الأجهزة الأمنية في العالم عبر عميل عاش بين اليهود كأنه واحد منه، وتظاهر بالعداء والكره للعرب والمسلمين، بينما كان يبطن في داخله حباً وشوقاً لبلاده بلاد النيل.
المحاولات الإسرائيلية لتزوير الحقيقة
لم تتقبل إسرائيل تلك الفكرة التي عرضها المسلسل، وهذه الثغرة الكبيرة في جهازها الأمني، فعملت على تنظيم حملة إعلامية كبيرة، إدعت فيها بأن الموساد الاسرائيلي نجح في كشف حقيقة رأفت الهجان فور إرساله إلى مصر، فألقى القبض عليه وجعله يعمل لصالح إسرائيل ضد مصر، إلا أن هذه الإدعاءات فندتها المخابرات المصرية وكذبتها جملة وتفصيلا، حيث كان لرأفت الهجان الفضل الأكبر في كشف العميل الإسرائيلي ايلي كوهين في سوريا، والذي زرعه الموساد هناك باسم كامل أمين ثابت، لكن المسلسل لم يذكر هذه الحادثة لأسباب مجهولة، واعتبر البعض أن الامتناع عن ذكرها عائد لحسابات تتعلق باتفاقية السلام المصرية مع إسرائيل، والتي لم يكن قد مر على توقيعها عقد من الزمن عند عرض المسلسل، فيما عزاها البعض الآخر إلى الخلافات السياسية بين مصر وسوريا في تلك الفترة.
الموساد يحاول عرقلة الإنتاج
يقول الممثل أحمد ماهر، والذي قام بدور الضابط مصطفى عبد العظيم، بأن المخابرات الإسرائيلية كانت تحوم بالقرب من مواقع تصوير بعض مشاهد الجزء الثاني في روما، وذلك بعد الضجة التي أثارها الجزء الأول في الأوساط الإسرائيلية، ويضيف ماهر أن أجواء التصوير كانت مشحونة وخطيرة للغاية، وأشار بأنه لولا رجال المخابرات المصرية التي كانت تحيط بمواقع التصوير لربما تعرض فريق العمل لمحاولات اغتيال. كلام الفنان أحمد ماهر يعكس كم كانت إسرائيل مستاءة من الفضيحة الأمنية التي تسبب بها المسلسل للصهاينة، وهذا من شأنه أن يدحض الرواية الإسرائيلية حول حقيقة رأفت الهجان، فلو كان الأمر كما ادعى الإعلام العبري، لماذا حاول الموساد عرقلة التصوير في روما؟
الممثلون والأدوار
لا يمكن الحديث عن مسلسل رأفت الهجان، دون الوقوف عند الممثل الراحل محمود عبد العزيز، الذي قام بشخصية رأفت، التي أحبها الجمهور وتعلق بها، والتي بقيت مرتبطة بمحمود عبد العزيز حتى وفاته، رغم قيامه بأدوار مميزة خلال مسيرته الفنية، كأدواره في فيلم العار وفيلم موعد مع الوحوش وفيلم الكيت كات وغيرها. عبد العزيز لم يجعل أداءه في المسلسل مرتكزاً على الجدية فقط، بل أضاف لمسة كوميدية للشخصية ظهرت بشكل مميز في بعض المشاهد التي يسمح نصها بهذا الخرق للجو الأمني المتوتر.
ومع ذلك، لم يكن محمود عبد العزيز الخيار الأوحد بالنسبة للمخرج يحيى العلمي للقيام بدور رأفت الهجان، إذ كان الفنان عادل إمام مرشحاً أيضاً لتجسيد الشخصية.لكن الزعيم كان معترضا على سيرورة الأحداث في السيناريو وفضل طريقة أخرى في السرد، وهذا ما جعله يعتذر عن المسلسل نتيجة تمسك المخرج يحيى العلمي بالسيناريو الأصلي، ليتصدى محمود عبد العزيز لدور رأفت الهجان، وليحقق المسلسل نجاحه الباهر.
كما تعد شخصية محسن ممتاز التي قام بها الممثل الراحل يوسف شعبان واحدة من أكثر الشخصيات التي تعلق بها المشاهدون، ويعود ذلك إلى الأداء المميز ليوسف شعبان، وطبيعة الشخصية، التي كانت المعلم الأول لرأفت الهجان. لكن الأمر الذي فات الكثيرين هو أن يوسف شعبان أراد الاعتذار عن المشاركة في الجزء الثاني بسبب تقليص دور الشخصية ومساحتها بنسبة كبيرة، إلا أنه اضطر للعدول عن قراره والمشاركة في الجزء الثاني بعد ضغوط مورست عليه من قبل أجهزة الدولة ووزير الإعلام الذي أوضح له موقف الدولة المصرة على إنتاج المسلسل والرافضة لأي اعتذارات. قبل أن تغيب شخصية محسن ممتاز عن الجزء الثالث تماماً.
الاعتراض على مساحة الأدوار في الجزء الثاني، لم يكن فقط من قبل الفنان يوسف شعبان، إذ لقي نص الجزء الثاني اعتراضا من قبل الفنانتين يسرا وعفاف شعيب، بسبب التركيز شبه المطلق على مغامرات رأفت الهجان في فلسطين المحتلة، ما جعل الكاتب صالح مرسي يجري بعض التعديلات على السيناريو .
كما يجدر بنا أن نمر على الممثلين محمد وفيق ونبيل الحلفاوي، الذين قاما بدوري عزيز الجبالي ونديم قلب الأسد، وكان لهما فضلا كبيراً في نجاح وانتشار هذا المسلسل.
الأسماء الحقيقية والأسماء المزيفة
كان عدد من الضباط الذين شاركوا في عملية تجنيد رأفت الهجان وزرعه داخل المجتمع الإسرائيلي لا يزالون على قيد الحياة عند عرض المسلسل، وحفاظاً على الأمن القومي ، وتحاشياً للمشاكل التي قد يتسبب بها ورود أسمائهم في المسلسل، تمت فبركة أسماء جميع الشخصيات، فتحول رفعت الجمال إلى رأفت الهجان، وعبد المحسن فائق إلى محسن ممتاز، وعبد العزيز الطودي إلى عزيز الجبالي، و محمد نسيم إلى نديم الهاشم.
سيرورة الأحداث
تدور أحداث الجزء الأول خلال الفترة الأولى لنجاح ثورة الضباط الأحرار، حيث يستعرض المسلسل الجرائم اليهودية في مصر خلال تلك الفترة، وإقبال اليهود المصريين الكثيف على الهجرة للإقامة في فلسطين المحتلة. كما يسلط الضوء على معاناة رأفت الهجان وحياته المريرة وفشله وتنقله بين الوظائف والاضطرار لتزوير هويته، قبل اكتشافه من قبل المخابرات المصرية، وزرعه عميلا داخل المجتمع اليهودي في مصر.
أما الجزء الثاني، فيروي كيف انتقلت المهمة من مصر إلى فلسطين المحتلة، وكيف نسج رأفت علاقات قوية مع الإسرائيليين بغية تزويد المخابرات المصرية بأكبر قدر من المعلومات حول عدوهم اللدود وقتذاك.
الجزء الثالث يرتبط مباشرة بالدور الكبير الذي لعبه رأفت في حربي 1967 و 1973، بالإضافة إلى حرب الاستنزاف. ويستعرض المسلسل مشهدين متناقضين لردة فعل رأفت الهجان العكسية على نبأ سقوط سيناء عام 1967، وعبور القناة عام 1973.
هل كانت إسرائيل مخترقة من قبل عملاء آخرين
تطرقت شخصيتا نديم ومصطفى في العديد من المشاهد إلى الحديث عن عملاء مصريين آخرين داخل الأراضي المحتلة، والذين كشفتهم إسرائيل وقامت بتصفيتهم، وأتى ذكر هؤلاء العملاء من قبل نديم ومصطفى في سياق تحذير رأفت من أي خطوة غير محسوبة قد تودي به وبالعملية كلها. وهذا ما جعل المشاهد يسأل، هل جندت مصر شخصيات أخرى غير رأفت الهجان في المجتمع الإسرائيلي، أم أن ذكرها كان في الإطار الدرامي فقط؟
خاتمة
ليفي كوهين، ياكوف بنيامين حنانيا، ديفيد شارل سمحون، هذه الاسماء التي أخفى خلفها رأفت الهجان هويته الحقيقية في المسلسل، ستبقى راسخة في عقول عشاقه، وخنجراً في قلب الكيان الإسرائيلي. خنجر حاول نزعه والتنصل منه مراراً ولكنه فشل، لانعدام المعطيات الدالة على صدق دعواه. رأفت الهجان لم يكن أول مسلسل مصري شاهده الإسرائيليون، ولكنه كان الأكثر مشاهدة من قبلهم، لكونه يتعرض لهم بشكل شخصي، ويروي قصة حقيقية لشخصية عاشت بينهم لسبعة عشر عاماً، كانوا يعتقدون خلالها أنها منهم وولاؤها لهم بالكامل.
أخبار ذات صلة
هل تقوم المقاومة بالتنازل عن تلة علي الطاهر حقنا للدماء وتجنبا لمزيد من الدمار وتهجير.
تلة علي الطاهرالشغل الشاغل لوسائل الإعلام اللبنانية والعبرية
انطلاقة شبكة الأمين الإخبارية
من نهج الأمين إليكم...
السيد موسى الصدر.
شخصية اجتمع اللبنانيون على احترامها واختلفوا في تفسيرها .
من قمة التكنولوجيا إلى حطام السماء.
الـMQ-9 في مواجهة الدفاعات الجوية محلية الصنع.
