السيد موسى الصدر.
شخصية اجتمع اللبنانيون على احترامها واختلفوا في تفسيرها .
تعد شخصية الإمام الصدر واحدة من أكثر الشخصيات التي تحظى باحترام شريحة كبيرة جدا من اللبنانيين على مختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم، لما كان لها من مكانة في المجتمع اللبناني و العربي، فكان للإمام علاقات متينة على الصعيد الدولي كعلاقته بالرئيس المصري جمال عبد الناصر وقائد الثورة الإسلامية الإمام روح الله الخميني، والرئيس السوري حافظ الأسد ، وغيرهم.
وما أن حلت ذكرى تغييبه الثامنة والأربعين، حتى شهدت الساحة اللبنانية كمية كبيرة من التصريحات التي أطلقت بدعوى التمسك بنهج الإمام، والتي أوّلَ أصحابُها كلامه، كل منهم على طريقته ووفق ما يخدم مذهبه السياسي، إذ من الصعب جدا أن تجد سياسيا أو صحفيا لبنانيا مهما كان انتماؤه يهاجم شخصية الإمام الصدر، رغم تباين نظرتهم وتوجهاتهم مع ما جاء به، بيد أن عددا كبيرا من مواقف الإمام كانت واضحة ومحددة، فهل أصبحت غيبته سببا للاصطياد في الماء العكر؟
صرح رئيس الجمهورية جوزيف عون بأن السيد موسى الصدر كان يرفض أن يبقى جنوب لبنان منطقة منسية او ورقة تفاوض او ساحة لتصفية الحسابات ولحروب الغرباء، وأضاف بأن الإمام المغيب كان يعتبر بأن السلاح الوحيد المخول في الدفاع عن لبنان هو سلاح الدولة، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، ماذا فعلت الدولة اللبنانية لحماية الجنوب منذ الاجتياح الإسرائيلي الأول عام 1978 حتى اليوم؟
بعد انتهاء الحرب في نوفمبر عام 2024، استمرت اسرائيل في اعتداءاتها على لبنان على مدار 15 شهرا لم تشهد خطوة فعلية من الدولة لكبح جماح آلة الإجرام الصهيونية التي أدت إلى استشهاد ما يزيد عن 400 إنسان معظمهم من المدنيين العزل، والأكثر غرابة أن الدولة اتخذت خطوات ضد المقاومة خلال تلك المدة، والحديث هنا عن قرارات ٥ و ٧ آب ٢٠٢٥، والتي لقيت ترحيبا كبيرا في المجتمع الإسرائيلي، بل وصل الأمر بصحيفة هارتس الى اعتبارها انتصارا استراتيجيا للضغوط الإسرائيلية على الحكومة اللبنانية...
أما الخطوة الثانية التي اتُخذت ضد المقاومة كانت فجر الثاني من آذار 2026، عندما جرَّمت السلطة اللبنانية عملا عسكرياً قامت به المقاومة بعد ١٥ شهرا من الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب والبقاع والضاحية، رغم أن المقاومة لم تجعل تلك الرشقة الصاروخية انتقاما لدماء السيد علي الخامنئي فحسب، بل أوردت في بيانها حينها بأنها فعلت ذلك ردا على الاستباحة الإسرائيلية للبنان. عندها وعلى الفور، أصدرت السلطة أوامراً لقيادة الجيش بالانسحاب من جنوب الليطاني والمباشرة بعملية حصر السلاح في شماله، كل ذلك في وقت كانت الجحافل الإسرائيلية تحتشد فيه لغزو الجنوب، فهل هذه هي الدولة التي كان يسعى إليها الإمام الصدر؟
وفي حادثة مثيرة للجدل، شهدت الأيام الأولى من الحرب اقامة حواجز عسكرية على الطرقات المؤدية إلى الجنوب لإحتجاز المقاومين ومنعهم من الوصول إلى مواقع القتال لصد العدوان.
الإمام الصدر الذي كان رئيس الجمهورية قد استشهد بعباراته يوم الحادي والثلاثين من آب كان يعتبر إسرائيل شرا مطلقا، والتعامل معها حرام ، فوجدنا السلطة اللبنانية تطالب بإجراء مفاوضات مباشرة مع الصهاينة للمرة الأولى منذ عام 1983. مفاوضات تتيح لإسرائيل التي فعلت ما فعلت أن تجلس مع شخصيات لبنانية، وتمنع لبنان من حق مقاضاة إسرائيل في وقت تواصل فيه الأخيرة قصفها وقتلها بلا حسيب ولا رقيب.
أما فيما يتعلق بموقف الإمام من القضية الفلسطينية، فقد جعل فلسطين جزءاً لا يتجزأ من مبادىء حركة أمل، لا بل جعل تحريرها والالتزام بالدفاع عنها بندا من بنود ميثاق حركة المحرومين الصادر عام 1974 ، لكن رئيس الحكومة نواف سلام، الذي لا ينفك يضرب الأمثال بالإمام الصدر، في الوقت الذي ارتضى فيه أن يهاجم وقوف المقاومة الى جانب فلسطين في الحرب الماضية ، واعتبارها سببا للجرائم الإسرائيلية في لبنان، لم يتخذ حتى الآن أي خطوة للتحرك دوليا ضد إسرائيل ، والمقصود هنا الوعود التي قطعها رئيس الحكومة ووزير الخارجية يوسف رجي أكثر من ثلاث مرات بمقاضاة إسرائيل في مجلس الأمن ردا على اجرامها المتواصل.
المقاومة الحالية و مبادىء الإمام الصدر:
لقد كانت وصايا السيد موسى الصدر تدعو الى اتخاذ عدة تدابير لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية :
1- المقاومة للدفاع عن لبنان في ظل عجز الدولة اللبنانية عن القيام بهذا الواجب.
2- تجريم التعامل مع إسرائيل واعتبارها شرا مطلقا والدعوة والتعبئة لقتالها بالأظافر والأسنان والزيت المغلي .
3- الالتزام بنصرة القضية الفلسطينية، ودعم مقاومة الشعب الفلسطيني حتى تحرير أرضه ،واعتبار الدفاع عن مقدساته واجباً .
وعند مقارنة ما أوصى به الإمام بما جرى من أحداث على الساحة اللبنانية منذ تلك الحقبة حتى يومنا هذا، نستنتج أن الدولة لا زالت عاجزة عن القيام بواجبها الأمني تجاه الجنوب، بينما المقاومة هي التي حررت لبنان عام 2000، وهي التي حررت الأسرى اللبنانيين من السجون الإسرائيلية عام 2006، وهي التي دافعت وساندت فلسطين عام 2023 نصرة لقضية العرب والإمام الصدر الأولى القدس وفلسطين...
الإمام الصدر والفصائل الفلسطينية في الجنوب:
لم يخفِ الإمام الصدر استياءه تجاه السلوك وأنشطة بعض الفصائل الفلسطينية في لبنان خلال تلك الحقبة، وخصوصاً بعد النتائج التي انتهى عليها الاجتياح الإسرائيلي الأول عام 1978 المعروف باسم عملية الليطاني، إلا أن الإمام الصدر حرص على التفريق بين فلسطين والفصائل الفلسطينية، بين الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير الفلسطينية في ذلك الحين. أدت هذه التصريحات إلى وقوع بعض المتتبعين لسيرة الإمام في فخ الخلط بين القضية الفلسطينية والفصائل، وهذا ما تفاداه الإمام الصدر عندما انتقد تصرف ونشاط وردة فعل الفصائل الفلسطينية خلال الاجتياح الأول عام 1978 "¹³"، حيث حرص الإمام على الابتعاد عن التعميم والنظرة الشمولية... لذلك لن تجد في أقواله أو خطاباته أي تهجم على القضية الفلسطينية أو الشعب الفلسطيني، بل ستجد دعوة لنصرته ولتحرير أرضه، بل واستعداداً منه شخصيا للموت في سبيل القدس, كما أشار الشهيد السيد حسن نصرالله في أحد خطاباته .
تمر الذكرى الثامنة والأربعين على غياب الإمام، ولا زالت أخباره مقطوعة وأحواله مجهولة، وقد زاد الأمر صعوبة، انعدام التعاون من قبل السلطات الليبية مع لبنان في هذا الملف، كما أشار الرئيس نبيه بري في خطابه ،
فهل اختفى مصير الإمام إلى الأبد، أم سيأتي يوم تنكشف فيه خيوط هذا السر بعد قرابة نصف قرن؟
أخبار ذات صلة
من قمة التكنولوجيا إلى حطام السماء.
الـMQ-9 في مواجهة الدفاعات الجوية محلية الصنع.
علي الطاهر: تلة صغيرة في الجغرافيا، كبيرة في معادلات الجنوب المقدمة
عليُّ الطّاهر عصيٌّ على الإنكسار
العامود الفقري لأمان… أربعة أرقام تصنع صورة الاستخبارات
ما معنى هذه الأرقام ؟
مطار بيروت... عندما يصبح الهاتف موضع شبهة
بين الدكتورية واباحة الخصوصية
