النزعات الانفصالية تعود إلى الواجهة في الولايات المتحدة وسط تراجع الثقة بالمؤسسات
تحليل يربط تصاعد الدعوات إلى الانفصال بتفاقم الاستقطاب السياسي، وتضارب مصالح الولايات مع واشنطن، واتساع الفجوة بين الدولة ورأس المال والمواطنين، في ظل تحولات اقتصادية وضغوط مالية متزايدة.
ومن بين هذه المساعي مشروع "باسيفيك لينك" (Pacific Link)، الذي يستهدف نقل نفط ألبرتا إلى ساحل المحيط الهادئ، بما يخفّض اعتمادها على الولايات المتحدة.
تواجه محاولة إعادة بناء المجال الأميركي بعد مرحلة العولمة مشكلة التكلفة الضخمة، التي ستقع بدرجة كبيرة على المجتمع الأميركي نفسه. وتزداد المعضلة مع الوضع المالي للدولة. إذ يتوقّع مكتب الميزانية في الكونغرس أن يبلغ العجز الفيدرالي 1.9 تريليون دولار في عام 2026، وأن يرتفع الدين المحتفَظ به لدى الجمهور من 101% من الناتج إلى 120% في عام 2036. كما يتوقّع ارتفاع صافي مدفوعات الفائدة من تريليون دولار في عام 2026 إلى 2.1 تريليون دولار في عام 2036 (CBO، شباط/فبراير 2026). وفي سيناريو ترتفع فيه أسعار الفائدة نقطة مئوية واحدة فوق المسار الأساسي، يصل الدين إلى 222% من الناتج في عام 2056.
وهكذا تظهر المفارقة: تحتاج الدولة إلى إعادة بناء المجال للحفاظ على قدرتها، لكنّها تحتاج إلى المواطن لتمويل إعادة البناء، بينما يحتاج رأس المال إلى الدولة لحماية التراكم. وإذا تحمّل المواطن التكلفة وبقي القسم الأكبر من العائد لدى الشركات الكبرى، فإنّ إعادة بناء المجال ستتحوّل إلى مصدر جديد للصراع الطبقي.
صعود الاشتراكية في دولة المركز الرأسمالي
هنا يظهر الطرف الآخر من المعادلة، فالاشتراكية لم تعد مجرّد تيار هامشي في الولايات المتحدة. ففي أيلول/سبتمبر 2026، سجّلت "غالوب" أعلى نسبة للنظرة الإيجابية إلى الاشتراكية منذ بدء قياسها عام 2010، إذ ينظر إليها 43% من الأميركيين بإيجابية. والأكثر دلالة أنّ نسبة النظرة الإيجابية إلى الاشتراكية لدى الفئة العمرية بين 18 و34 عاماً بلغت 57%، مقابل 43% للرأسمالية. كما بلغت نسبة النظرة الإيجابية إلى الاشتراكية بين المستقلّين 45%، مقابل 37% في العام السابق، في وقت تراجعت فيه النظرة الإيجابية إلى الشركات الكبرى إلى 35% (Gallup، أيلول/سبتمبر 2026).
لكنّ البيانات الأقدم تكشف عن تفاوت اجتماعي واضح في هذا الاتجاه. ففي استطلاع أجراه مركز "بيو" عام 2022، بلغت نسبة النظرة الإيجابية إلى الاشتراكية 52% بين السود و41% بين ذوي الأصول الهسبانية، مقابل 31% بين البيض (Pew Research Center، أيلول/سبتمبر 2022). وهذا يعني وجود قاعدة اجتماعية أكبر لقبول خطاب يربط أزمات السكن والصحّة والأجور وعدم المساواة بقوّة رأس المال. ومع استمرار التدهور الاقتصادي، قد يتحوّل هذا الاتجاه من موقف ثقافي إلى قوّة سياسية منظّمة.
في المقابل، ينمو اليمين الأميركي الذي يرفض العولمة والهجرة والمؤسّسات الفيدرالية، ويطالب بإعادة بناء السيادة الوطنية وحماية المجال الأميركي. وهكذا، ينتج التناقض بين الدولة ورأس المال بعد العولمة مفارقة مزدوجة: فاليسار يرفض خضوع الدولة لرأس المال، واليمين يرفض خضوع المجال الأميركي لمنطق العولمة. وكلاهما يهاجم جانباً من النظام القائم، لكن من موقع اجتماعي وأيديولوجي مختلف. وتعمل الأزمة الاقتصادية على زيادة الاستقطاب لدى الاتجاهين. ففي تموز/يوليو 2026، لم يرَ سوى 24% من الأميركيين أنّ الظروف الاقتصادية جيّدة أو ممتازة، بينما وصفها 35% بأنّها سيّئة، وقال 60% إنّ سياسات ترامب الاقتصادية جعلت الاقتصاد أسوأ.
يمكن أن يعكس مشروع إعادة بناء المجال الأميركي اتّجاه تراجع العولمة والأزمة الحادّة للمركز الرأسمالي، خصوصاً أنّه لن يكون بلا تكلفة. وإذا وقع العبء الأكبر على المواطن، بينما استمرّ رأس المال في نهب القسم الأكبر من التراكم، فقد يعمّق المشروع نفسه التناقض الذي جاء لمعالجته. وإذا حاولت الدولة الحدّ من نفوذ رأس المال، اصطدمت بالقوى الاقتصادية التي تعتمد عليها. وإذا تراجعت أمامه، فقدت مزيداً من الشرعية لدى المواطن. وإذا شدّدت قبضتها على الولايات، زادت النزعة الانفصالية. وإذا منحتها مساحة أكبر، زادت قدرتها على تعريف مصالحها بصورة مستقلّة.
حين تصغر الفطيرة، يتقاتل الجميع على الفتات. وعندما يترسّخ الاعتقاد بأنّ الفتات لا يُوزَّع على نحو يمكن احتماله وقبوله، بين الطبقات من جهة، وبين المركز الاتحادي والولايات من جهة أخرى، يبدأ كلّ طرف بالبحث عن مجال خاصّ به. وهنا يكمن الخطر الحقيقي على الاتحاد الأميركي، إذ تتفكّك المصلحة الوطنية بما يمهّد لتفكّك الدولة، ويصبح تغيّر الحدود السياسية احتمالاً واقعياً بعدما تكون البنية الاجتماعية والاقتصادية قد تغيّرت بالفعل.
المصدر : الميادين
أخبار ذات صلة
دار فابر البريطانية توقف توزيع كتب سالي روني بسبب دعمها منظمة مؤيدة لفلسطين
سالي روني تتمسك بموقفها الداعم لفلسطين رغم وقف توزيع مؤلفاتها في بريطانيا
زيلينسكي يعلن استئناف الضربات على المصافي الروسية متحديا ترامب
زيلينسكي يعلن استئناف ضرب مصافي النفط الروسية متحدياً هدنة ترامب
ترمب يلوّح بضربة على إيران وليبرمان يحذّر من حرب خلال 72 ساعة
تصعيد إقليمي واسع من هرمز إلى باب المندب والجبهة اللبنانية وسط تهديدات أميركية وتحركات عسكرية متسارعة
آيزنكوت يتهم نتنياهو ومحيطه بتزوير المحاضر ويدعو إلى تحقيق رسمي
آيزنكوت: نتنياهو ومحيطه انشغلوا بتزوير المحاضر فيما كان الجنود يقاتلون
