منير شحادة: «الجبهات المتزامنة» تعيد رسم معادلات المواجهة في المنطقة
قراءة في تداعيات تعدد جبهات المواجهة على الحسابات الأميركية والإسرائيلية، ودور حزب الله المحتمل ومستقبل لبنان في أي تصعيد إقليمي واسع\.
عقيدة "الجبهات المتزامنة" .. هل انتهى زمن الحـ.ـرب على جبهة واحدة؟
منير شحادة
أكبر تحول عسـ.ـكري إستراتيجي في "الشرق الأوسط" لم يحدث في غـ..ـزة ولا في جنوب لبنان، بل حدث في ١٠ تشرين الأول فوق سماء الرياض.
لأول مرة منذ حـ..ـــرب ١٩٧٣، تجد الولايات المتحدة و"إسـ..ـرائيل" نفسَيهما غير قادرتين على خوض حـ..ـــرب على جبهة واحدة. العقيدة العسـ.ـكرية التي حكمت المنطقة لخمسين سنة كانت بسيطة وواضحة: اعزل عدوك، حاصره سياسياً، واضربه منفرداً. ابدأ بغـ..ـزة، ثم انتقل إلى لبنان، ثم إلى اليمن. هذه العقيدة سقطت كلياً في مطار الملك خالد.
ما يطبقه أنـ.ــصار الله اليوم ليس مجرد هـ..ـجوم على مطار مدني، بل هو إعلان عن ولادة عقيدة قتالية جديدة اسمها (الجبهات المتزامنة). وهي عقيدة ستغير شكل أي حـ..ـــرب قادمة في المنطقة، ولبنان في قلبها.
أولاً: كيف تعمل العقيدة الجديدة؟
في حـ..ـــرب تموز ٢٠٠٦، كانت الجبهة واحدة: لبنان ضد "إسـ..ـرائيل". وكان بإمكان أمريكا أن ترسل كل ذخيرتها وكل استخباراتها لدعم جبهة واحدة. في حـ..ـــرب غـ..ـزة ٢٠٢٣، حاول محور المـ.ـقاومة فتح جبهة إسناد من لبنان واليمن، لكنها بقيت في نظر واشنطن و"تل أبيب" جبهات ثانوية يمكن احتواؤها.
اليوم، أنـ.ــصار الله قلبوا المعادلة بشكل جذري. هم لا يساندون جبهة موجودة، هم يخلقون أربع جبهات في اللحظة ذاتها والكثافة النارية ذاتها:
١. جبهة باب المندب: إغلاق شريان التجارة العالمية الذي يمر عبره ١٢ بالمئة من التجارة الدولية. الهـ.ـدف هنا ليس عسـ.ـكرياً فقط، بل اقتصادي عالمي يضغط على القرار الأمريكي.
٢. جبهة العمق السعودي والإماراتي: قـصـ..ـف المطارات المدنية والقواعد الأمريكية في الظهران والعديد والظفرة. الهـ.ـدف هنا هو ضرب هيبة المنظومة الأمنية الأمريكية في الخليج.
٣. جبهة البحر الأحمر: استـ..ـهداف مباشر للبوارج والمدمرات الأمريكية بالصـ.ـو اريخ الباليستية والمسيرات البحرية، وهو ما لم يجرؤ أحد على فعله منذ الحـ.ـرب العالمية الثانية.
٤. جبهة "إسـ..ـرائيل": إطلاق صـ.ـو اريخ فرط صوتية من نوع فلسـ.ـطين ٢ نحو يافا ومطار بن غوريون، بمدى يتجاوز ٢٠٠٠ كيلومتر.
الهـ.ـدف العسـ.ـكري في هذه العقيدة ليس احـ.ـتلال الأرض، وهذا هو التغيير الأخطر. الهـ.ـدف هو استنزاف منظومات الدفاع الجوي وتدمـ..ـير اقتصاديات الاعتراض.
كل صا روخ باتريوت أمريكي يكلف بين ٤ و ٥ ملايين دولار، وكل صا روخ ثاد يكلف أكثر من ١٢ مليون دولار. فيما تكلف المسيرة اليمنية من نوع صماد ٣ أقل من ٢٠ ألف دولار. عندما تطلق ١٠ مسيرات من اليمن، و٥ من العراق، وصا روخين من لبنان في الساعة ذاتها، فأنت لا تريد أن تقـ.ـتل، أنت تريد أن تجبر الـ.ـعـ.ــدو على الاختيار: ماذا سيحمي؟ مطار الرياض أم قاعدة العديد في قطر أم "تل أبيب"؟
هذه هي حـ..ـــرب الاستنزاف المقلوبة. سابقاً كانت "إسـ..ـرائيل" هي من تستنزف العرب، اليوم المحور هو من يستنزف مخزون الدفاع الجوي الغربي، ومخزون أمريكا لا يكفي لأكثر من ثلاثة أسابيع من القتال الكثيف على خمس جبهات.
ثانياً: ماذا يعني هذا لحــ.ـزب الله بعد الضربات الكبرى؟
هنا النقطة التي تهم لبنان وجودياً ومباشرة.
بعد اسـ.ـتشهـ.ـاد سيد شــ.ـهداء الأمة السـ.ــيـ.ــد حسن نـ.صـ.ر الـلـ.ـه والسـ.ــيـ.ــد هاشم صفي الدين، وبعد ضربة البيجر التي استهـ.ـدفت نحو ٤٠٠٠ مـ.ـقاتل من الكادر الوسطي والقيادي، اعتقدت واشنطن و"تل أبيب" أن حــ.ـزب الله بوصفه قوة جبهات قد انتهى، وأنه سيحتاج إلى سنوات ليتعافى.
هذا التحليل سطحي ولا يفهم طبيعة الحــ.ـزب. حــ.ـزب الله ليس شخصاً أو قـ.ـيـ.ـا دة هرمية عادية، بل هو مؤسسة عقائدية عسـ.ـكرية بُنيت على مدى ٤٠ عاماً، ولديها قدرة مثبتة على إعادة إنتاج قيادتها وهيكليتها في أسابيع، كما حدث بعد عام ٢٠٠٦ وبعد اسـ.ـتشهـ.ـاد السـ.ــيـ.ــد عباس الموسوي وسائر القادة. الحــ.ـزب اليوم رمَّم غرفة عـــ..ــمـلـيـاته، وأعاد توزيع ترسانته التي لم تُستخدم في حـ..ـــرب الإسناد، وما زال يملك القدرة الصا روخية الدقيقة.
لكن السؤال الإستراتيجي الحقيقي ليس ما إذا كان حــ.ـزب الله قد تعافى، بل أين سيتموضع في عقيدة الجبهات المتزامنة الجديدة؟
نحن اليوم، أمام خيارين عسـ.ـكريين لا ثالث لهما، وكِليهما يمس لبنان مباشرة:
الخيار الأول: بقاء حــ.ـزب الله قوةَ احتياط إستراتيجي. أي لا يفتح جبهة الجنوب الآن، بل يبقى ليرمم ترسانته وقيادته ويتدرب على الدروس المستفادة من حـ..ـــرب غـ..ـزة، بينما يوكل لليمن مهمة استنزاف أمريكا والسعودية و"إسـ..ـرائيل". هذا الخيار يريح لبنان مؤقتاً ويعطيه فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة بناء الداخل.
الخيار الثاني: إعادة تفعيل قوة حــ.ـزب الله كجبهة خامسة حاسمة. إذا قررت أمريكا و"إسـ..ـرائيل" ضرب العمق الإيراني رداً على هـ..ـجوم الرياض، فإن الرد لن يكون بصا روخ واحد من طهران إلى "تل أبيب". العقيدة الجديدة تقول إن الرد يجب أن يكون متزامناً: اليمن يقـصـ..ـف الرياض وأبوظبي، حــ.ـزب الله يقـصـ..ـف حيفا وعكا ومطار "بن غوريون"، وفصائل العراق تقـصـ..ـف القواعد الأميركية المحيطة به . هنا لا يغدو حــ.ـزب الله جبهة إسناد ثانوية، بل جبهة أساسية تمنع "إسـ..ـرائيل" من التفرغ لليمن أو لإيران.
ثالثاً: السيناريو الأخطر - هل يستطيع لبنان البقاء خارجها؟
الجواب العسـ.ـكري والإستراتيجي هو لا، مهما حاولت الدولة اللبنانية.
عقيدة الجبهات المتزامنة تقوم على مبدأ واحد: إجبار الـ.ـعـ.ــدو على التمدد حتى يتمزق. واشنطن لديها اليوم حاملتا طا ئرات فقط في المنطقة، واحدة في البحر الأحمر وأخرى في شرق المتوسط. ولديها مخزون محدود من صـ.ـو اريخ الاعتراض. إذا اشتعلت جبهة اليمن والخليج بشكل كامل، فستضطر واشنطن لسحب جزء من دعمها الجوي والاستخباري لـ"إسـ..ـرائيل" لتغطية السعودية والإمارات اللتين هما مصدر النفط والدولار.
"إسـ..ـرائيل" تدرك هذا الخطر الوجودي. لذلك هي تسعى الآن، وقبل أن تكتمل عقيدة الجبهات وتتبلور غرفة عـــ..ــمـلـيـاتها الموحدة في صنعاء وطهران، لضربة استباقية في لبنان. تريد أن تنهي جبهة الجنوب وتدمر ما تبقى من قدرات حــ.ـزب الله الصا روخية قبل أن تبدأ حـ..ـــرب الخليج الكبرى. ما نسمعه من تهـ..ـديدات يومية من قادة الـ.ـعـ.ــدو عن ضرورة نزع سـلـاح الحــ.ـزب هو جزء من هذه العقيدة الاستباقية.
نحن أمام نهاية زمن الحـ.ـرب المنفردة. الحـ.ـرب القادمة، إن وقعت، لن تكون حـ..ـــرب غـ..ـزة الثانية أو حـ..ـــرب لبنان الثالثة، بل ستكون أول حـ..ـــرب في تاريخ "الشرق الأوسط" تدار فيها خمس غرف عـــ..ــمـلـيـات في خمس عواصم في الدقيقة ذاتها، بصـ.ـو اريخ ومسيرات رخيصة تستنزف أغلى منظومات دفاع جوي في العالم.
ومن يعتقد أن لبنان، بحكم موقعه ودوره وتاريخه، يمكن أن يبقى متفرجاً على هذه العقيدة الجديدة، فهو لا يفهم لا الجغرافيا ولا الإستراتيجيا، ولا طبيعة المرحلة القادمة.
أخبار ذات صلة
الاحتلال يواصل اقتحاماته واعتقالاته في الضفة الغربية وهدم منازل 80 عائلة
إصابة مواطن في قباطية واعتقالات واسعة في عدة محافظات، بالتزامن مع اقتحام المستوطنين المسجد الأقصى وأداء طقوس تلمودية في باحاته
السعودية واليمن: دروس التاريخ ومأزق الحرب الطويلة
علي عبادي: التدخل العسكري السعودي في اليمن بين إخفاقات الماضي ومأزق الحاضر
اللواء صفوي: إدارة مضيق هرمز واجب استراتيجي على القوات المسلحة الإيرانية
يحيى صفوي: السيادة الإيرانية على مضيق هرمز أساس إدارة الملاحة ومواجهة الحصار البحري الأمريكي
غزة: أكثر من 21 ألف طفل شهيد و650 ألف طفل مهددون بالموت جوعاً
حصيلة دامية في غزة: 74,377 شهيداً وآلاف الأطفال ضحايا القتل والتجويع والحرمان من العلاج
