مأزق واشنطن في الخليج.. هل تتراجع فاعلية المظلة الأمنية الأميركية؟
مراجعات غربية تكشف حدود القوة الأميركية في مواجهة إيران وتحولات النظام الإقليمي
أكرم بزي
على امتداد عقود، قامت الهندسة الأمنية الأميركية في الخليج على معادلة واضحة: الولايات المتحدة توفر المظلة العسكرية والضمانات الاستراتيجية، فيما تعتمد الدول الحليفة على هذه الحماية للحفاظ على أمنها واستقرارها في مواجهة التهديدات الإقليمية. غير أن المواجهات المتصاعدة مع إيران أعادت اختبار هذه المعادلة، وفتحت نقاشًا عميقًا حول قدرة واشنطن على الوفاء بالتزاماتها الأمنية في بيئة إقليمية تتطور فيها القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة ووسائل الحرب غير المتكافئة.
واللافت أن هذا النقاش لم يعد مقتصرًا على خصوم الولايات المتحدة، بل أصبح حاضرًا في الجامعات ومراكز الأبحاث والدوريات الغربية، حيث تتزايد المراجعات النقدية للسياسات الأميركية في الشرق الأوسط، ولا سيما الفجوة بين التفوق العسكري والنتائج الاستراتيجية المتحققة. ومن جامعة شيكاغو إلى هارفارد وجونز هوبكنز، ومن مجلتي «فورين أفيرز» و«فورين بوليسي» إلى معهد بروكينغز، تتعدد المقاربات وتختلف الاستنتاجات، لكنها تلتقي عند إشكالية مركزية تتعلق بحدود القوة الأميركية وقدرتها على إدارة التوازنات الإقليمية وفق مصالح واشنطن وحلفائها.
لم تبدأ المعضلة الأميركية مع المواجهات العسكرية الأخيرة، بل تعود جذورها إلى سنوات من السياسات التي راهنت على العقوبات الاقتصادية والتهديد العسكري لإجبار إيران على تغيير خياراتها الاستراتيجية. ففي دراسة بعنوان «The Self-Limiting Success of Iran Sanctions»، نشرتها دورية «International Affairs» عام 2011، ناقشت الباحثة سوزان مالوني والباحث راي تقيه حدود نجاح العقوبات الاقتصادية في تحقيق الأهداف السياسية الأميركية تجاه إيران، وأبرزا إشكالية أساسية تتمثل في أن القدرة على إلحاق أضرار اقتصادية كبيرة لا تعني بالضرورة النجاح في تغيير الحسابات السياسية والأمنية للدولة المستهدفة.
وفي 22 حزيران/يونيو 2025، عادت مالوني إلى مناقشة التداعيات الاستراتيجية لاستخدام القوة العسكرية في تحليل نشره معهد بروكينغز بعنوان «The US Attacks Iran: Three Questions for the Day After»، تناولت فيه الأسئلة المتعلقة بنتائج الهجمات الأميركية على إيران واحتمالاتها السياسية والأمنية. وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة لأنها تميز بين النجاح العملياتي المباشر والنتيجة الاستراتيجية بعيدة المدى، فإصابة منشآت عسكرية أو إضعاف قدرات محددة لا يضمن بالضرورة إخضاع الخصم أو فرض تسوية سياسية مستقرة.
وتكشف هذه المقاربات عن إحدى أبرز مشكلات السياسة الأميركية تجاه إيران: امتلاك أدوات ضغط عسكرية واقتصادية هائلة، في مقابل صعوبة متزايدة في تحويلها إلى نتائج سياسية حاسمة. فقد تتمكن واشنطن من فرض عقوبات واسعة أو تنفيذ عمليات عسكرية مؤثرة، لكنها تواجه تحديًا مختلفًا يتعلق بقدرتها على تغيير الحسابات الاستراتيجية الإيرانية أو بناء نظام أمني إقليمي مستقر.
ويبرز في هذا السياق أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو جون ميرشايمر، أحد أبرز منظّري المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، الذي ينتقد منذ سنوات المبالغة الأميركية في تقدير قدرة القوة العسكرية على إعادة تشكيل التوازنات السياسية والإقليمية. وتنطلق مقاربته من أن التفوق العسكري لا يلغي قدرة الدول المستهدفة على المقاومة، ولا يمنح القوى الكبرى حرية مطلقة في فرض إرادتها، خصوصًا في المناطق التي تتداخل فيها المصالح الأمنية والاعتبارات الجغرافية والتاريخية.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في الخليج، حيث أصبحت القواعد العسكرية والمنشآت الاستراتيجية عرضة لمخاطر متزايدة بفعل تطور القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة ووسائل الاستهداف الدقيقة. فالقواعد التي أُنشئت لتعزيز الردع والحماية يمكن أن تتحول، في ظروف التصعيد الواسع، إلى نقاط ضعف استراتيجية تفرض على واشنطن وحلفائها حسابات أمنية معقدة. ولا يعني ذلك زوال التفوق العسكري الأميركي، بل تراجع القدرة على تحويل هذا التفوق إلى ضمانات أمنية مطلقة أو سيطرة سياسية غير قابلة للتحدي.
ومن زاوية أخرى، يقدم أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد ستيفن والت قراءة نقدية للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، تنطلق من مخاطر التورط العسكري ومن التناقض المحتمل بين مصالح واشنطن ومصالح حلفائها الإقليميين. ففي حوار نشرته مجلة «Foreign Policy» بتاريخ 14 نيسان/أبريل 2026 بعنوان «How to Navigate a Rogue America»، تناول والت المأزق الذي تواجهه الدول الحليفة للولايات المتحدة في التعامل مع القرارات الأميركية التي قد تؤدي إلى زيادة المخاطر الأمنية بدلًا من تقليصها.
وفي مقال آخر نشرته المجلة نفسها بتاريخ 28 أيار/مايو 2026 بعنوان «Trump Should Just Admit He Screwed Up»، انتقد والت قرار الحرب على إيران، مسلطًا الضوء على التكاليف الاستراتيجية للسياسات العسكرية التي لا تحقق بالضرورة النتائج السياسية المرجوة. وتكشف هذه المقاربة عن مفارقة أساسية في مفهوم الحماية الخارجية، إذ قد تجد الدولة التي تعتمد على قوة عظمى لضمان أمنها نفسها معرضة لتداعيات مواجهات لا تتحكم في قراراتها أو توقيتها أو حدودها.
وتزداد أهمية هذه الإشكالية بالنسبة إلى دول الخليج التي ترتبط بعلاقات أمنية وعسكرية وثيقة مع الولايات المتحدة، لكنها تمتلك في الوقت نفسه مصالح اقتصادية وتنموية تتطلب الاستقرار وتجنب المواجهات المفتوحة. فالتحالف العسكري لا يفترض أن يتحول إلى مصدر دائم للمخاطر، كما أن الضمانات الأمنية لا تحقق أهدافها إذا أصبحت الدول المستفيدة منها معرضة لتبعات الصراعات التي تخوضها القوة الضامنة.
وفي موازاة هذه الانتقادات، تكتسب تحليلات الأكاديمي فالي نصر، المتخصص في شؤون إيران والشرق الأوسط، أهمية خاصة في فهم التحولات التي تشهدها الحسابات الاستراتيجية لدول الخليج. ففي دراسة مشتركة مع الباحثة ماريا فانتابي بعنوان «Can Saudi Arabia Keep Hedging?»، نشرتها مجلة «Foreign Affairs» بتاريخ 20 نيسان/أبريل 2026، تناول الباحثان التحديات التي تواجه السعودية في موازنة علاقاتها الدولية والإقليمية وسط بيئة أمنية متغيرة.
وتعكس هذه القراءة اتجاهًا نحو إعادة تقييم مفهوم الأمن الخليجي، بحيث لا يبقى محصورًا في الضمانات العسكرية الخارجية، بل يتسع ليشمل تنويع الشراكات الدولية وإدارة العلاقات مع القوى الإقليمية المجاورة. فاستمرار العلاقات الاستراتيجية مع واشنطن لا يتعارض بالضرورة مع تطوير قنوات الحوار مع طهران أو البحث عن ترتيبات إقليمية تقلص احتمالات التصعيد، بل قد يشكل الجمع بين هذه المسارات أساسًا لسياسة أمنية أكثر توازنًا واستقلالًا.
ويتجاوز النقاش حدود المواجهة الأميركية الإيرانية ليصل إلى طبيعة النظام الإقليمي الذي سعت واشنطن إلى بنائه وإدارته طوال عقود. ففي مقال بعنوان «The End of the American Middle East»، نشرته مجلة «Foreign Affairs» في عدد أيلول/سبتمبر–تشرين الأول/أكتوبر 2026، تناول الباحث مارك لينش التحولات التي طرأت على النظام الإقليمي المرتبط بالنفوذ الأميركي، واضعًا إياها في سياق أوسع يتعلق بحدود قدرة الولايات المتحدة على تنظيم العلاقات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط وفق أولوياتها الاستراتيجية.
وتنبع أهمية هذه المقاربة من أنها لا تختزل الأزمة في مواجهة عسكرية أو قرار سياسي منفرد، بل تربطها بتحولات أعمق في بنية النظام الإقليمي. فالشرق الأوسط لم يعد ساحة تستطيع قوة خارجية واحدة التحكم في جميع توازناتها، بعدما أصبحت القوى الإقليمية أكثر قدرة على المناورة وتنويع الشراكات وفرض حساباتها الخاصة. كما أن التحولات الدولية المتسارعة تمنح دول المنطقة هامشًا أوسع لإعادة صياغة علاقاتها مع القوى الكبرى بعيدًا عن أنماط الاعتماد التقليدية.
غير أن الحديث عن تراجع فاعلية الاستراتيجية الأميركية لا يعني بالضرورة أن إيران حققت انتصارًا شاملًا أو أنها أصبحت بمنأى عن التحديات. فطهران تواجه بدورها ضغوطًا اقتصادية وسياسية وأمنية كبيرة. لكن التجربة تكشف أن الدولة الأقل تفوقًا عسكريًا قد تنجح في منع خصم أقوى من تحقيق أهدافه إذا استطاعت الحفاظ على قدراتها الأساسية ورفع كلفة المواجهة العسكرية والأمنية وتحولها إلى عمليات استنزاف الخصوم مكلفة جدًا وهنا يختلف مفهوم «الانتصار»، فبمجرد المحافظة على بنية النظام يعتبر انتصارًا أمام هذه الهجمة السرية.
وهنا يصبح معيار النجاح الاستراتيجي مختلفًا عن معيار التفوق العسكري. فالولايات المتحدة قد تحقق نجاحات عملياتية من دون أن تتمكن من فرض شروطها السياسية، فيما قد تنجح إيران في إحباط الأهداف الأميركية. إنها معادلة معقدة من الردع والاستنزاف والتوازنات غير المتكافئة، تفرض على الأطراف المعنية إعادة النظر في جدوى التصعيد العسكري.
وتضع هذه التحولات دول الخليج أمام استحقاق استراتيجي بالغ الأهمية يتعلق بمستقبل منظومتها الأمنية. فالاعتماد على المظلات الخارجية وحدها لم يعد كافيًا لضمان الاستقرار، كما أن التخلي عن التحالفات الدولية ليس خيارًا واقعيًا أو ضروريًا. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة تجمع بين تعزيز القدرات الدفاعية الوطنية، والمحافظة على الشراكات الدولية، وتوسيع مساحات الحوار والتفاهم الإقليمي، بما يقلص احتمالات تحول المنطقة إلى ساحة مواجهة بين القوى الكبرى والقوى الإقليمية.
إن الأمن الخليجي لا يمكن أن يبقى رهينة التوترات بين واشنطن وطهران، ولا أن يُختزل في ميزان الصواريخ والقواعد العسكرية. فالاستقرار المستدام يتطلب منظومة سياسية وأمنية تعترف بمصالح دول المنطقة وتمنحها دورًا أساسيًا في صياغة ترتيباتها الدفاعية والدبلوماسية، بعيدًا عن الافتراض بأن الحماية الخارجية قادرة وحدها على معالجة جميع التهديدات.
وتكشف المراجعات الغربية المتزايدة للسياسة الأميركية تجاه إيران والخليج عن مأزق استراتيجي يتجاوز حدود العمليات العسكرية والمواجهات المباشرة. فمن دراسات سوزان مالوني وراي تقيه حول حدود العقوبات، إلى انتقادات ستيفن والت للتورط العسكري، مرورًا بتحليلات فالي نصر للتحولات الخليجية، وصولًا إلى المقاربات الواقعية لجون ميرشايمر وقراءة مارك لينش لمستقبل النظام الإقليمي، تتبلور أسئلة عميقة حول قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في أداء دور الضامن الأمني الأول في المنطقة.
ولا تعني هذه المراجعات وجود إجماع غربي على انهيار المظلة الأميركية، لكنها تكشف أن فاعليتها لم تعد بمنأى عن الاختبار، وأن استمرار التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة استمرار القدرة على فرض ترتيبات أمنية وسياسية منفردة. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك قوة عسكرية استثنائية ونفوذًا واسعًا وتحالفات راسخة، غير أن تحويل هذه العناصر إلى نتائج سياسية مستقرة أصبح أكثر تعقيدًا في منطقة تتعدد فيها مراكز القوة وتتداخل فيها المصالح.
فالقوى العظمى لا تبدأ بفقدان نفوذها بالضرورة نتيجة تراجع قدراتها العسكرية، بل نتيجة اتساع الفجوة بين القوة التي تمتلكها والنتائج السياسية التي تستطيع تحقيقها. وكلما اتسعت هذه الفجوة، تراجعت قدرة الردع على إنتاج الاستقرار، وازدادت الحاجة إلى مراجعة الأسس التي قامت عليها الاستراتيجيات التقليدية.
وهنا تحديدًا يكمن مأزق واشنطن في الخليج: قوة عسكرية هائلة لا تزال حاضرة بثقلها، لكن قدرتها على فرض الأمن والاستقرار وفق شروطها لم تعد أمرًا مسلمًا به، في منطقة تتجه تدريجيًا نحو معادلات أكثر تعقيدًا، يصبح فيها التوازن السياسي والتفاهم الإقليمي شرطين أساسيين للأمن، لا مجرد بديلين عن الحماية العسكرية الخارجية.
المصدر : موقع العهد
أخبار ذات صلة
عناوين وأسرار الصحف اللبنانية الصادرة اليوم الأربعاء 4 تشرين الثاني 2026
الهيئة الوطنية للإعلام والسلاح والمفاوضات تتصدر المشهد السياسي
3 تشرين الثاني.. اليوم الدولي لمحميات المحيط الحيوي
لبنان يضم ثلاث محميات مدرجة ضمن برنامج اليونسكو، هي الشوف وجبل الريحان وجبل موسى، تقديراً لأهميتها البيئية ودورها في التنمية المستدامة.
عناوين وأسرار الصحف اللبنانية الصادرة اليوم الاثنين 2 تشرين الثاني 2026
المفاوضات الأميركية الإيرانية وتهديدات لبنان تتصدر عناوين الصحف
وزيرة الشؤون الاجتماعية تزور برج قلاوية وتطّلع على عمل المعصرة
الزيارة شهدت لقاءً مع البلدية والجمعية التعاونية الزراعية، وتأكيداً على أهمية دعم التنمية المحلية وافتتاح مركز للشؤون الاجتماعية في البلدة.
