خلف الأرقام | الجزء الثاني
خلف العمود الفقري لأمان...كيف تتحول الأرقام إلى قرار
في المقالة السابقة، تحدثنا عن أربعة أرقام تقف خلفها قدرات مختلفة داخل منظومة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية: 8200، 9900، 504 و 81 حيث كانت 8200 تجمع الإشارات، و9900 تنتج الصور والمعلومات الجغرافية، و504 تعمل مع المصادر البشرية، و81 تطور القدرات التقنية. فكان السؤال الأساسي مَن يقف خلف هذه الأرقام؟ وكيف تتحول آلاف المعلومات القادمة من مصادر مختلفة إلى صورة استخبارية واحدة يمكن أن تصل في النهاية إلى صانع القرار؟
من هنا برزت شعبة الأبحاث( research division) في أمان فبحسب جيش العدو الإسرائيلي، تتمثل إحدى مهامها الأساسية في بناء صورة استخبارية حول الساحات المختلفة، بالاعتماد على المعلومات القادمة من مختلف وحدات أمان، ومنها 8200 و9900 و504 وغيرها. وتشمل هذه الصورة تقييم الوضع، وقدرات الخصم، ونواياه وخططه. بمعنى آخر، إذا كانت الوحدات السابقة تجمع قطع اللغز، فإن شعبة الأبحاث تحاول أن تفهم الصورة التي تصنعها هذه القطع مجتمعة. وهنا يجدر بنا الإشارة الى انه ليست كل المعلومات التي تدخل هذه المنظومة تأتي من أجهزة سرية هناك أيضًا المعلومات المتاحة أمام الجميع.
هنا يظهر «حتساف» (Hatzav)، الذي يعمل في مجال المعلومات من المصادر المفتوحة، ويراقب كميات واسعة من المعلومات المتاحة علنًا بهدف فهم الاتجاهات والصورة الأوسع. وهذه النقطة مهمة لأن الخبر أو المنشور أو التصريح الموجود أمام الجميع قد يبدو منفصلًا عن العمل الاستخباري، لكنه يصبح جزءًا من الصورة عندما يُربط بمعلومات أخرى. ويذكر جيش العدو أن مخرجات «حتساف» تصل إلى جهات مختلفة، بينها شعبة الأبحاث والموساد والشاباك.
و الآن و بعد جمع هذه المعلومات ننتقل الآن الى مرحلة جمعها سويا لمحاولة تشكيل الصورة المثالية.
وهنا نصل إلى واحدة من أهم الأفكار في هذه المنظومة.
يصف جيش العدو الإسرائيلي نموذجًا للتعاون أطلق عليه اسم «الجزيئات» (Molecules)، حيث يجتمع ممثلون عن وحدات مختلفة حول طاولة واحدة لتبادل المعلومات وربطها. فقد يكون لدى 8200 جزء من الصورة، ولدى 9900 جزء آخر، بينما تمتلك 504 معلومة مختلفة، وتكون لدى شعبة الأبحاث قدرة على وضع هذه المعلومات ضمن سياق أوسع, وهنا يصبح التعاون نفسه أداة استخبارية.
فالمعلومة التي تبدو محدودة عندما تكون منفردة، قد تصبح أكثر أهمية عندما تتقاطع مع معلومة أخرى, فالصورة لا تأتي من مصدر واحد، بل من تقاطع المصادر أي من آلاف المعلومات إلى معلومة واحدة مهمة, لكن كثرة المعلومات تطرح مشكلة أخرى. أنه لو كانت هناك آلاف التقارير والصور والإشارات لا يمكن لصانع القرار أن يتعامل معها كلها.
لذلك تأتي وظيفة «التحليل» (Analysis): فرز المعلومات، مقارنتها، البحث عن الروابط والأنماط، ومحاولة تحديد ما الذي يستحق أن يدخل في الصورة النهائية, فتتحول العملية هنا من: ماذا نعرف؟ إلى: ماذا تعني الأشياء التي نعرفها؟
وهذا هو الفارق بين جمع المعلومات وبناء الاستخبارات اللحظة التي تصبح فيها الصورة قرارًا. ففي النهاية لا يجب أن يذهب إلى صانع القرار آلاف الملفات والتقارير كما وصلت في البداية.
الهدف هو إنتاج تقدير استخباري يختصر و ينظم صورة أكثر تعقيدًا
وهذا هو الدور الذي تصفه شعبة الأبحاث (Research division) عند حديثها عن بناء صورة تشمل الوضع، والقدرات، والنوايا والخطط.
لكن هناك حلقة أخيرة فالمعلومة لا تبقى داخل غرف التحليل. جيش العدو الإسرائيلي وصف أيضًا منظومة ADANIM بأنها آلية لجعل المعلومات الاستخبارية متاحة للقوات في الميدان، بما يربط بين العمل الاستخباري والمستوى العملياتي.
وهكذا تكتمل السلسلة: 8200… 9900… 504… 81, أرقام تجمع وتنتج وتطور.
ثم تأتي منظومة أوسع تجمع ما أنتجته هذه الأرقام، تربطه بمصادر أخرى، تحلله، وتضعه في سياقه.
وفي قلب هذه العملية تقف شعبة الأبحاث، إلى جانب آليات التعاون والتحليل ونقل المعلومات.
لذلك، فإن السؤال الذي بدأنا به (من يقف خلف الأرقام؟) لا تكون إجابته رقمًا خامسًا بل منظومة كاملة. منظومة تحاول أن تأخذ آلاف القطع المتناثرة، وتضعها في صورة واحدة، ثم تحول تلك الصورة إلى تقدير استخباري يمكن أن يصل إلى مستوى القرار.من هذا المنطلق تطرح إشكالية اكبر ألا و هي
احتمالية الاخطاء التي تبقى واردة في كل المجالات عندها لا تعود المشكلة في قدرة الاستخبارات على جمع المعلومات.
ومن هنا تبدأ القصة التالية:
كيف تفشل الاستخبارات رغم امتلاكها للمعلومات؟
أخبار ذات صلة
ثلاثة أعوام على جبهة الإسناد لغزّة.. 8 تشرين الأول 2023 – 8 تشرين الأول 2026
ثلاث سنوات على جبهة الإسناد لغزّة.. الجنوب اللبناني بين الحرب والنزوح والدمار
حرب أكتوبر: نصر عربي أم ريمونتادا إسرائيلية
حلف السادات والاسد لاسترداد اراضي 1967
الشيخ نبيل قاووق: من محراب العلم الى ساحة الجهاد
سيرة الشيخ نبيل قاووق
المسلسل المصري الذي شاهده الإسرائيليون
رأفت الهجان، المسلسل المصري الذي عرض لأول مرة عام 1988..
