خلف الأرقام | الجزء الثالث
عندما يكسر العامود الفقري لأمان...أسباب فشل المنظومة
في المقالة السابقة، تتبعنا كيف تتحول المعلومات القادمة من وحدات أمان المختلفة إلى صورة استخبارية، ثم إلى تقدير يمكن أن يصل إلى صانع القرار هنا تبدأ المشكلة الحقيقية: فشل الاستخبارات لا يعني دائمًا غياب المعلومات، كما أن امتلاك التقدير لا يعني بالضرورة نجاح التنفيذ. فأين تنكسر السلسلة؟ هل في قراءة المعلومات وبناء التقدير، أم في تحويل ما عُرف إلى قرار واستجابة على الأرض؟
ومن هنا تنقسم القصة إلى فصلين: فشل الاستخبارات... وفشل التنفيذ.
أولًا: فشل الاستخبارات
بحسب خلاصة فريق الخبراء الذي راجع تحقيقات جيش العدو الإسرائيلي في أحداث 7 أكتوبر، امتد الفشل الاستخباري على مدى سنوات، ولم يكن نتيجة خطأ واحد، بل نتيجة خلل تراكمي شمل فهم حماس، وطريقة جمع المعلومات، وتحليلها، وصولًا إلى القدرة على إصدار التحذير. وحدد الفريق «الفشل التصوري» و«الفشل الاستخباري» من بين العوامل الرئيسية التي فسرت الإخفاق.
أولى المشكلات كانت في الصورة الذهنية عن حماس. فمع مرور الوقت اتسعت الفجوة بين ما كانت الاستخبارات تعتقد أنها تعرفه عن قدرات الحركة ونواياها، وبين ما كانت الحركة تطوره فعليًا على المستوى الاستراتيجي والعملياتي.
ثم ظهر فشل في جمع الصورة نفسها. فبحسب تحقيق العدو الإسرائيلي، اعتمدت عملية جمع المعلومات في قطاع غزة على قدرة وصول محدودة لم تكن كافية لتوفير إنذار مناسب، بينما لم تُحدَّث بصورة كافية صورة قدرات حماس وخططها. ونتيجة لذلك، لم تتحول المعلومات المتاحة إلى تقدير يشير بوضوح إلى انتقال الحركة من الروتين إلى الاستعداد لهجوم واسع.
و تزداد المشكلة تعقيدًا عندما تتراكم كميات ضخمة من المعلومات. فالمحلل لا يواجه دائمًا نقصًا في البيانات، بل قد يواجه العكس: معلومات أكثر من القدرة على ربطها وتمييز الإشارة المهمة من الضجيج. وتوضح دراسات استخبارية سابقة أن وفرة البيانات يمكن أن تصبح عاملًا في الفشل عندما تكون المعلومات موجودة، لكن لا يتم إدراك أهميتها أو وضعها ضمن سياق متكامل.
وبذلك، فإن فشل الاستخبارات هنا لم يكن ببساطة في «عدم رؤية» ما يحدث، بل في كيفية تفسير ما تمّت رؤيته: صورة ذهنية لم تُراجع بما يكفي، معلومات لم تُجمع في سياقها الكامل، مؤشرات لم تتحول إلى تحذير، وخطة لم تُعطَ وزنها الذي تستحقه.
عندها لا تكون المشكلة في القطع، بل في الصورة التي صُنعت منها.
ثانيًا: فشل التنفيذ
لكن فشل المنظومة لا يتوقف عند الاستخبارات. فحتى عندما تصل المعلومة إلى مستوى القرار، تبقى هناك حلقة أخرى: تنفيذ ما تم تقديره على الأرض. وهنا يمكن أن يظهر نوع آخر من الفشل، عندما لا تتحول المعلومات والقرارات إلى النتيجة المطلوبة.
يظهر ذلك بوضوح في عمليات الاستهداف، وخصوصًا عند محاولة إصابة هدف متحرك أو متخفٍ. فقد يفشل التنفيذ لأن الهدف يختفي أو يغيّر موقعه قبل لحظة الضربة، أو بسبب وسائل تمويه وخداع تجعل تحديد الهدف أكثر صعوبة. كما قد يحدث الخطأ نتيجة سوء تحديد الهوية أو أخطاء بشرية في تفسير الموقع أو الإحداثيات أو نقلها بين الوحدات.
ولا يرتبط الفشل بالعامل البشري وحده؛ فهناك أيضًا عوامل تقنية، مثل أعطال أنظمة الملاحة والاستشعار أو الذخائر نفسها. وقد وثّقت حالات عسكرية سابقة أن عطلًا في منظومة السلاح أدى إلى عدم إصابة الهدف المقصود، كما سجلت تحقيقات أخرى حوادث كان فيها الخطأ نتيجة اجتماع خلل تقني مع خطأ بشري.
ثم تأتي مشكلة التنسيق والقيادة. ففي ساحة القتال، قد تكون المعلومة صحيحة والهدف محددًا، لكن تأخر نقلها أو سوء التنسيق بين الوحدات أو عدم وضوح المسؤولية قد يمنع الاستجابة في الوقت المناسب. وهذا ظهر أيضًا في التحقيقات الإسرائيلية المتعلقة بـ7 أكتوبر، التي أشارت إلى فجوة بين تقدير التهديد وبين الممارسة العملياتية، وإلى خلل في اتخاذ القرار وتفعيل القوة.
وبذلك، لا يكون الفشل في التنفيذ نتيجة سبب واحد، بل نتيجة سلسلة يمكن أن تنكسر في أكثر من نقطة: هدف لم يعد في مكانه، هوية لم تُحسم، خطأ بشري، عطل تقني، أو قرار لم يتحول إلى استجابة في الوقت المناسب.
فإذا كان الفشل الاستخباري يعني أن الصورة لم تُفهم كما يجب، فإن فشل التنفيذ يعني أن ما فُهم أو قُرر لم يتحول كما يجب إلى فعل.
في النهاية، تكشف هذه السلسلة أن القوة الاستخبارية لا تُقاس فقط بكمية المعلومات التي تستطيع جمعها، بل بقدرتها على فهمها وتحويلها إلى قرار، ثم ترجمة القرار إلى فعل في الوقت المناسب. وقد تظهر الثغرة في أي حلقة من هذه السلسلة، مهما بدا النظام متكاملًا.
لكن هذه الصورة تفتح بابًا يتجاوز حدود المنظومة نفسها. ففي الوقت الذي شهدت فيه أدوات المراقبة والاستهداف الإسرائيلية تطورًا كبيرًا، كانت قوى محور المقاومة تطور بدورها أساليب وقدرات مختلفة في العمل العسكري والأمني، وتبحث عن طرق لمواجهة التفوق التقني والاستخباري وإعادة صياغة طبيعة المواجهة.
ومن هنا يبدأ الأفق التالي: كيف تطورت قدرات محور المقاومة، وكيف أعادت هذه القدرات تشكيل قواعد المواجهة؟
أخبار ذات صلة
خلف الأرقام | الجزء الثاني
خلف العمود الفقري لأمان...كيف تتحول الأرقام إلى قرار
خلف الأرقام | الجزء الأول
العمود الفقري لأمان… أربعة أرقام تصنع صورة الاستخبارات
ثلاثة أعوام على جبهة الإسناد لغزّة.. 8 تشرين الأول 2023 – 8 تشرين الأول 2026
ثلاث سنوات على جبهة الإسناد لغزّة.. الجنوب اللبناني بين الحرب والنزوح والدمار
حرب أكتوبر: نصر عربي أم ريمونتادا إسرائيلية
حلف السادات والاسد لاسترداد اراضي 1967
